المشاركات

سبيل البريق

صورة
  قصة قصيرة قد يتعذر الوصول، آهٍ من أن لا أصل.. فيحصل أن أتوقف عند منتصف الطريق، فلا أقدر على العودة،  لأنه عُبِث بأثار أقدامي، وسأتوه لو عكست السبيل.. هو شعور سيظل على مقربة مني، سيرافقني في الرحلة ويتربص بي، فأنا فريسته: أن لا أصل.  لا أرى من المعتاد عدى زرقة السماء، تمدني بشيء من الحراسة، والاطمئنان، الذي يتلاشى بعد حين، فلا يبقى إلا عند رفع الأبصار، مع خشية  تقلص ذلك الاطمئنان المستمد من السماء، فيصير مثل ساعة الرمل. أتحاشى النظر إلى الأعلى، فالأرجح لن أرى عدى كسرة من السماء بين رؤوس الأشجار الباسقة.. إن انحصارها يزيد وحشتي. أواصل قُدمًا، أملاً أملاً في وصولٍ يحدوني.. أُفكر في طفل يعلب عند وقت العصر، ويجعل من جدع الشجرة حصانه.. امرأة تمشط شعرها، وتبتسم لنفسها في المرآة.. طفلة تنظر بإعجاب في عيون دميتها.. رائحة قهوة أمي في صباح صقيع. كل ما يجعل الدنيا جميلة، وتستحق أن نناشد في عيشها، فنعرف في الأخير، أن الحياة عاهرة وشريفة، كما قال لنا الواصلين. أخطو إلى الأمام، مع الكثير من التلافي، وأفكر في بئر لا قعر.. رجال يُساقون إلى منصة الإعدام.. وادٍ من الثعابين شديد التدفق.. أطرد عن نفسي تل...

أباطرة المخدرات المغاربة : حميدو الديب - 2 -

صورة
رجل قصير القامة مملوؤها، ذو جه مستدير يميل للسمرة، ملامحه يبدو عليها تجاوز عمر السبعين، يرتدي جلبابًا تقليديًا، يقف عند عربة الفواكه ويساوم صاحبها بابتسامة فاترة، وعيون مُرهقة.. إنه ما يزال يحتفظ بسواد شعره في هذا السن المتقدم، - أو الأرجح قام بطلائه؟ - في الأخير يتبضع بعض ثمار الفاكهة، وينصرف في سبيله، قبل أن يوقفه أحدهم قائلاً باللهجة الطنجاوية: كِيف نْتينا أعمي احمد؟. يرفع رأسه لهذا السائل فيّرد السلام، ويدردشان لوقت قصير، قبل أن يواصل في سبيله نحو منزله.. وما هي إلا لحظات، حتى يظهر الرجل في الحي مرة أخرى، هذه المرة يضع طربوشًا أبيضًا على رأسه، ويقصد مسجد الحي، هناك يصلي المغرب جماعةً ويحضر لقراءة حزب الليلة، ثم صلاة العشاء، ليعود لمنزله بخطوات هادئة دون التفات إلا لالقاء السلام، أو ردّه، فيما يبدو، أن الرجل وضع الدنيا خلف ظهره، واكتفى منها.. فمن هذا السيد؟ هذا الذي يساوم ببشاشة صاحب عربة الفواكه، كان في زمن مضى، تقدر ثروته بملايين الدولارات! بل إن غمامة مُلبدة بالمال، تسبح فوقه أينما خطت خطاه، وبإشارة من أصبعه، تنهمر الأموال! هذا المخلوق اللطيف، بسببه وأقرانه، كاد الاقتصاد المغربي،...

مغارة هرقل .. نافذة أفريقيا الأسطورية

صورة
خذوا أماكنكم، واربطوا الأحزمة، فسنقصد مكان يُدعى كاپ سبارتيل، حيث مرج البحرين يلتقيان، الأبيض المتوسط مع الأطلسي، وفي مرمى هذا اللقاء، سنقف عند ثغر على شبيهة من شكل قارة أفريقيا، نحتته الطبيعة قبل آلاف السنين، ينفذ إلى سراديب في باطن المرتفع الصخري، ويبلغ مجموع هذه التجويفات ثلاثين كيلو مترًا، وعند تلك النافذة الشهيرة تتكسر أمواج المد عند لقاء البحرين، في إطلالة على القارة العجوز التي تتراءى لنا على بعد أقل من أربعة عشرة كيلو مترًا. نحن هنا، في نهاية قارة وبداية قارة، عند حافة العالم كما كان يعتقد القدماء.. نحن هنا، عند مياه تاهت فيها سفينة نوح وأنقذتها النوارس.. نحن هنا، في أرضٍ وصخرٍ تكسرا تحت ضربة أحد عظماء الإغريق.. نحن هنا، في بقاع تمتزج فيها الأسطورة مع الحقيقة. نقطة إلتقاء البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي في منطقة يُطلق عليها كاپ سبارتيل نحن هنا، في مدينة طنجة وعند مغارة هرقل، أكبر المغارات في قارة افريقيا وأشهرها على الإطلاق، وأحد معالم السياحية في طنجة.. أذكرتُ "هرقل"؟ أجل، وها نحن ذا نفهم أنّ أسطورتنا اليوم لها صلة مع جنون الميثولوجيا الإغريقية، ومهد الأساطي...

عند الإشارة

صورة
يقول القساوسة القدماء:  على المرء أن يتعلم كيف يقرأ ما بين السطور. ولذلك عليه بحسن طالع، أو نور من الله لمن وهبه.. إنما عليه حسن إدراك هذا النور، ليلقاه في اللحظة التي تستدعي حضوره.. إن الإنسان ليس (روبوتًا) تمت برمجته وفق مهمة؛ بل مشاعر ومكنونات تنفلت منه رغم ظنه بإحكام السيطرة عليها، والاتيان بالمسحوق الذي يفشل في الأخير عن حجب كل بُقع المشاعر الحقيقية وإن هي باهتة لا تدركها عينًا كانت، ولو أثبت المسحوق فعاليّته عند مرات كثيرة، فصلاحيته مرهونة تنتهي عند التقاط أول إشارة خارجة عن النسق، ومنها الانصراف إلى تزكيّة الإشارة أو تجاوزها لا نسيانها، فقد دُوّنت تنتظر ما هو قادم، فتبدو كغمامة مُتموجة، بحاجة للتمحيص للإراحة النظر. عليك تعلم كيف تستخرج من الكلام ما لم يُنطق، من الرسالة ما لم يُكتب، من الصمت ما حُجم، حتى تتوّسع مساحة الرؤية  والتصرف أمامك، إنما عليك آنِفًا التيّقن أن المشاعر الحقيقية عويصة في ردعها، مثل ماء تحمله بكفّيْك، وكل ما طال الوقت، إلا وأوْجد الماء ما ينفذ منه، ولو قطرة واحدة تسربت، تكفي لمعرفة أن المياه هنا.. قد يتعذر على التعيس حسن الطالع باعتبار المنجمين، واستغلال نور ...

لحظة شرود

صورة
قصة قصيرة جدًا يشاهد أخبار الثامنة مساءً دون الالتفات ناحيّتي، ولا يُحدثني كما ألفتُ منه عن محتوى نشرة الأنباء. شاردٌ يبدو، ومثقل بأمر ما، ينظر إلى شاشة التلفاز، وبعد هنيهة، يطرق ببصره.. تساءلت ما بك أبّتي، عقلك تاه في دنيا أخرى، تاركًا جسدك معنا؟ ما أقرّ لي أكثر، هو أذان العشاء في حيّنا، الذي لم يُقابله أبي بخفظ صوت التلفاز كما اعتاد فعله! كأنه أطرش لا يسمع، وبحاجة لنّكزٍ يوقظه من ضلّله الغامض. بالنهاية تحرك من مكانه مُلقيًا نفسًا طويلاً، واستّدار بأنظاره إليّ متسائلاً: هل نادى المؤذن لصلاة العشاء؟ - أجل يا حاج، لقد رُفع الأذان، بينما كنت ترعى في مكان مجهول! - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. كيف حدث ولم أسمعه هذه المرة؟ (وترجّل من مكانه مغادرًا) لم ألقَ له جوابًا، بل شعرت بإبرةٍ قد وخزت قلبي! فكرت في أعظم مخاوفي، أن أفقد أبي، أن يأتي يوم أنادي فيه على أبي، فلا مُجيب.. حينذاك، يُدرك فيه المرء، كم أن الحياة موحشة بلا أبٍ، ولا يتبق سوى نظرات تائهة تتساءل عن كيف الاستمرار؟ ثم سمعت من ينادي باسمي، إنه أبي، فأجابت: نعم آاا نعم.. أنا هنا.. حاضر حاضر. - كم مرة ناديتك فيها، حتى كاد جُدُر البيت ...

الأميرة كنزة الأوْرَبيّة .. رحم الأدارسة وسيدة المغرب الخالدة

صورة
سلسلة نفحات من مملكة - 1 - في عام 788 ميلادي، شرقت شمس المملكة المغربية التي نعرفها اليوم.. ولم تغِّب بعدُ، وإنْ تعاقب ألف عام، وقرنّين، منذ إدريس الأول، إلى محمد السادس، قرون خلّت، ومملكة تأبى أن تُشيّع شمسها. تسجو، توشك على الغروب، تهتّز أركانها وتُنذر بالفناء، تُدمى وتُندمل، ثم في النهاية تعيش على البقاء فتّزهر، وتلبس ما يؤتى أزمانها، فتتراءى مملكة دُوِّنت على درب الأبد، يأتي سلاطينها ويرحلون، تتغيّر أنساب عروشها، فهي باقية على ضفاف بحرين، وملتقى قارتين. وطيلة كل هذه القرون، حضرت العروش والملوك، رجال والنساء، منهم من يستّحق منا التقدير، ومنهم من حُقّ أن نُلحّق بهم اللعنات. *** كنزة الأوْرَبية، أول امرأة تحمل الجنسية المغربية، وأول سيدة أولى في تاريخ المغرب، وأول زوجة سلطان مغربي، إدريس الأول أو الأكبر، مؤسس المملكة المغربية.. نسبها "الأوْرَبية" لا يُقصد منه قارة أوروبا، بل قبائل أمازيغية في المغرب تُدعى أوْرَبة المتواجدة بين مدينتي فاس ووليلي.. هي الأمير كنزة، زوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني وجدة باقي الأدارسة، والتي يعود لها الفضل الكبير في استمرار عرش الأدارسة لقرنين...

هل وطأت أقدام الإنسان سطح القمر ؟

صورة
أوَتُصدق يا صديقي، أن ذلك القمر المتّوهج العاكس لضوء الشمس في ليل جميل، والذي تغزّل به الشعراء لأزمنةٍ طويلة، قد زاره إنسان؟ يا له من إنجاز عظيم حققه البشر! هذا إذا كان حقًا قد حدث أنّ قدم بشريٍ خطّت هناك  في البعيد، وحلّ الإنسان ضيفًا على القمر. لا أنسَ يومًا قلت لشيخ في قبيلتنا قبل زمنٍ ليس بطويل ولا بقصير: إن ذلك القمر الظاهر في الأفق أيها العم، قد وصل إليه إنسان. رد باستّغراب، وقد أيقظتُ عيناه من تعب الأزمنة: بالله عليك مما تقول! كيف نجحوا في اختراق عنان السماء؟ ثم، كيف حدث ولم يحترقوا من ضوء القمر؟ إنه كِذب الأجانب. اكتّفيْتُ بردٍ مقتضب، قائلاً: هذا مِما يدّعون. لم أشأ أن أشرح له أن القمر لا يضيء، بل يعكس ضوء الشمس؛ لأنّ الشيخ على الأرجح يظن أنّ الشمس عند هبوط الليل، تنام وراء الجبل العملاق المطل على قريتنا من بعيد، وفي الصباح الباكر، تستيقظ لتتناول إفطارها وتغسل أسنانها وتلبس تنورتها الحمراء، وتعود لتُّنير أنهُرنا، وإجازتها السنوية، عند قدوم الشتاء واكفهرار الأجواء. السوفييت يسبقون إلى الفضاء في ربيع عام 1961، نجح الاتحاد السوفيتي في ارسال أول رائد فضاء ليدور دورة كاملة حول مدار ...

أنغامي

صورة
(قصة قصيرة جداً)  احتضنت عودي الخشبي، ثم بدأت أُدّندن على  مقربة من مسامع وأنظار أبي.. أستشعر ترابطًا روحيًا بيني وبين العود، حتى خِلت نفسي باخٍ يُنغم، بينما أبي كأنه يعيش مع عزفي - المستساغ السمع -، ذكريات ماضٍ جميل ولّى، وهو ساحر حسناوات متقاعد.. يطرق برأسه وقد أغمض عيناه، ولحني - الأرجح - يأخذه بعيدًا. ترى ماذا حضر في ذاكرتك يا أبي؟ أتكون ذات الشعر المنفوخ، وأنت في سبيلك إليها ترتدِ قميص مزركش وسروال رِجل الفيل، وأم كلثوم في المذياع تنادي، حبي إيه لي نتا جاي تقول عليه؟ تسأءلت بينما أواصل عزفي العذب، حتى قام أبي من مكانه وسار إلى الباب، وشذى عودي يفسح له الطريق، حتى وصل عند صدع الباب، واستدار إليّ قائلا: طوبى لمن لا يسمع. وصفق الباب. انتهت

ويُقال بأنّ...؟

صورة
(قصة قصيرة) لقد تحقّق مُناي ورجاء طفولتي، أن أكون مُدرسًا، وإن لم تكتمل سعادتي.. هذا لأنه طُرِّح بي في  قريةٍ نائيةٍ بعيدة عن ملامح حضارة القرن الذي يعيشه العالم. قريةٌ معزولةٌ لا يُضيء لياليها عدا مصباح الله. هكذا يستّهل الأساتذة الجدّد وظائفهم في بلدنا: أن نُدّرس أبناء الوطن المنسي أولاً، الوطن الغير صالح. أن نتعلم تصّلق الجبال، والتّزحلق على الثلج، ويحدث أن نطهو فوق الخشب كما يفعل أسلافنا الأوليين، ولا يتبق لنا سوى ضرم النار باستخدام الحجارة.  هنا في هذه القرية، حيث كل ما استطاع إليه حظي، التقيت بزميل سبقني إلى هنا بعامان.. نقطن معًا في منزلٍ مهداة لنا من أهل القرية الطيبين، وإن كان على ضفاف مقبرة مهجورة، فلا اعتراض لنا، طالما جيراننا هادئين متخمين بنوم سحيق، ولا يصدر منهم إزعاح ولا شكاة. أهل القرية يحدث أن يجلبوا لنا الطعام، ويقدروننا أية تقدير، فنحن من نُعلم أبنائهم ونُنير سُبلهم بالعلم والمعرفة، فقم للمعلم وفهِ التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا.. ومثال ياباني يقول: ابتعد عن المعلم سبعة أقدام، حتى لا تدوس على ظله.  زميلي الأستاذ، خرج لتدخين بالخارج ولم يأتِ بعد.. لم يسبق أن تأخر ...