المشاركات

وصل الغد متأخرًا !

صورة
                 قصة قصيرة رنّ المنبه. فتيقظت عينان بسرعة على غير ما اعتادتا، وفرقت فراشي بعدها، ورحت إلى الحمام. لا شك أن المنبه تركته خلفي يتساءل، تُرى ماذا دهاه هذا الصباح لم يشتمني كما دأبى منذ وجودي إلى جانبه؟! حتى مرآة الحمام المتسخة التي تزيدني بشاعة، شعرتُ كأنها تريد أن تنطق شيئًا، ربما تتساءل بدورها: ما الذي أتى به باكرًا اليوم؟ لا بل وأكثر من هذا، فهو يبدو متيقظًا جدًا وليس كما ألفناه يترنح بين اليقظة والنعاس؟  يا ذاك المنبه ويا هذه المرآة، إليكما عني ! هذا الصباح عزمت على السفر. لا، بل على الرحيل، فحملتُ حقيبتي الصغيرة، تلك التي رافقتني في أكثر أسفاري فشلاً، وارتديتُ معطفي المهترئ الذي لم يعد يحميني من برد الشتاء ولا من برد السنين، لكن له معي ماضٍ مجيد، فأنا ساحر حسناوات متقاعد. ثم وضعتُ على عنقي عطراً وجدته سابقًا في صندوق قمامة الحي، رائحته تشبه رائحة غرفة أُغلقت نوافذها طويلاً، لكنه يروق لي، أو في الحقيقة يناسبني، فقد سمعت عن أنّ الطيبون للطبيات. رغم عزمي الرحيل، إلا أني كنتُ أريد أن أبدو كرجل ذاهب إلى مكان ما، لا كرجل هار...

عشرون سنة من إدريس البصري

صورة
سلسة مغرب القرن العشرين -10- الجزء الأخير بينما كان الأطفال يركضون خلف الكرة، يلعبون ويمرحون فيما بينهم، كان هناك طفل آخر في عمرهم ينزوي وحيدًا، يحمل كتابًا وقلمًا ويراجع دروسه، وعلى مسامعه تتناهى صراخات أقرانه وهم يلعبون. قبل أن ينادي عليه أحدهم: إدريس، تعال العب معنا! (ولد القابلة أجي آصاحبي تلعب الكرة) القابلة هي مهنة لامرأة تساعد النساء على الولادة. ابن القابلة ذاك، هو إدريس البصري، أشهر وزير داخلية في تاريخ المغرب، وآخر من ارتبط اسمه بسنوات الرصاص، وبطل الجزء الأخير من سلسلة مغرب القرن العشرين في مدونة محمد بنصالح. ازداد إدريس البصري عام 1938 في قرية عين علي مومن، على مقربة من مدينة سطات، في أسرة فقيرة، كان والده يشتغل حارس في السجن، أما والدته، فمهنتها هي توليد النساء، مهنة عتيقة تُعرف المرأة التي تحترفها في المغرب، بــ"القابلة" ولهذا كان البعض يلقبه بــ "ولد القابلة" إدريس له من الإخوة أحدى عشر، ثمانية بنات وثلاث أولاد. بدأ إدريس تعليمه الأولي في قريته، وعند وصوله إلى المدرسة الثانوية، اضطرت الأسرة إلى الانتقال إلى المدينة، حتى يتسنى لإدريس وبقية الأبناء اكم...

عائلة أوفقير : من القصور إلى الأقبية

صورة
سلسلة مغرب القرن العشرين - 9 - كم من عزيز انقلب ذليلاً بعد أن جار عليه الدهر، وكساه ثوب المهانة. في تاريخنا المغربي القديم والحديث، نلقى من ارتفع شأنه، وعلى قدر ارتفاعه، كان سقوطه مُدويًا. أحد الأمثلة نلقى عائلة أوفقير، التي تحوّلت من الأسرة الأولى في البلد، إلى الأسرة المنبوذة المنسية، بعد أن مرت من القصور وانتهت في الأقبية، ثم كُتب لها عمر جديد.  عكف أبناء أوفقير على الحفر بالملاعق وقطع  فولاذية، حتى بأظافرهم وأسنانهم، لعلّهم ينفذون إلى الحرية   فاطمة الشنا في شبابها فاطمة الشنا، هي ابنة العقيد محمد الشنا، أحد الخدام في الجيش الفرنسي، وقد كبرت فاطمة يتيمة الأم، التي رحلت مبكرًا وتركت تربية طفلة العقيد في يد المربيات، كما دأب والدها على تركها عند الراهبات في الكنيسة، وهناك ستكبر على دين المسيحية وقد ماتت وهي مسيحية، كما أن أبناءها جميعا مسيحيون. تقدم محمد أوفقير للزواج من بنت العقيد وهي دون سن البلوغ، ما جعل محمد الشنا يرفض تزويج ابنته مبكرًا ودعى أوفقير أن ينتظر، لكن الأخير أصر على صديقه أن يُزوجه فاطمة عاجلاً، وكذلك كان، وانتقلت فاطمة للعيش مع زوجها في الرباط، حياة ترف وأُبّهة لا ...

موقع همسات من التقاليد : مشروع تلاقح الثقافات بين المغرب وأيرلندا

صورة
همسات من التقاليد Whispers of tradition هو موقع الكتروني يعود لكاتبة وفنانة مسرحية مغربية/أيرلندية، ليلى لطيفة، laila latifa وبدعم من مجلس الفنون في إنجلترا. يهدف المشروع المشترك، - والذي يُعد في بدايته - إلى وضع جسر بين ثقافتي المغرب وأيرلندا والتعريف بها لدى الشعبين. ولأن الأساطير والحكايات الشعبية المتوارثة، والسرديات الشفهية؛ هي إحدى النوافذ على ثقافة الشعوب وتاريخها، فإن مشروع الموقع يحصر مضمونه في هذا الجانب، ويهدف إلى سد الفجوة بين الثقافة الشعبية المغربية ونظيرتها الأيرلندية. لزيارة الموقع ( اضغط هنا )

كان أنا !

صورة
وقفتُ قبالة المرآة، لألقيّ نظرة على نفسي، بعد سنين من الهجر، منذ ربيع الشباب وزهرته الفواحة لم أحدث نفسي وجهًا لوجه، إلى هذه اللحظة، أقف لأرايْ. رمقتني نظرة غائرة مُريبة، جعلتني أتراجع بخطوة إلى الوراء، فتراجعت بدورها دون أن تزيغ عني، أحاول جمع شتات ذهني لأتعرف على صاحب هذه النظرة الذي يُقلد حركاتي، أكشر فيُكشر، أرفع حاجباي فيفعل! كدتُ أسأله من يكون ولِم ملامحه تنطق بالمشقة، كأن السماء تُمطر عليه بالبلاء كل يوم. قبل أن تتمخض نباهتي متأخرة. آهٍ، إنه أنا ! صاحب الوجه الذي لم أتعرف عليه قبل قليل، كان أنا. فتسطع الحقيقة بنورها الرباني، بعدما كان الوهم دربًا، سبيلٌ يستنزف وقت كل الأحياء، فيمر الزمن دون أن يكون له أي داعٍ، ثم لأصير غير ما أنا عليه، أن أتواطأ مع الكذبة الصادقة في مُخيّلتي، أنني بخير. صوت أحدهم واقف إلى جانبي، يقول: منذ متى؟ - منذ زمن بعيد ! صمت، وهو يشاركني النظر إلى ذلك الشخص الذي هلّني في المرآة وهو يقلد كل حركاتي. - إني على علم أيها السيد أن وقت الاستدراك قد مضى. فرحل. وجاء كهل نحوي يمشي على مهل، أو تراه يدفع بخطواته الثقلية، ويبتغي بدوره النظر في مرآة الحق، حتى وصل عند...

من أين جاءت المدن المغربية بأسمائها ؟

صورة
ويحدثُ أن نلقى أنفسنا نتساءل، ترى ما معنى اسم هذه المدينة أو تلك؟ وكيف أن وُضع لها هذا التعريف لتحمله، ربما، إلى الأبد؟ وهناك الكثير من سكان المدن يجهلون سبب تسميّة مدنهم، أو لم يلقوا بالأهميّة لذلك. في هذا المقال سنتعرف على معاني أسماء أكبر المدن المغربية. ونكشف حقيقة تعريف المدن وحكايات اسمها. أكادير : حكاية مخازن أمازيغية أكادير، المدينة التي تعيش مبانيها في سن الزهور، فهي بالكاد وصلت لستة عقود، بعد أن بُعثت من رمادها وحجرها المنهار، جراء زلزال عام 1960 الذي أفنى معظمها. يعود التأسيس الأول لمدينة أكادير عام 1540م وهي كبرى المدن الأمازيغية في المغرب، وإذ ذاك فإن اسمها أمازيغي قح، يعود لقرون مضت. فماذا يعني أكادير؟ أكادير بالأمازيغية، هو المخزن أو الحصن. في القديم كانت قرى الأمازيغ في وسط المغرب تحديدًا، يُشيّدون في الجبل الوعر حصون لتخزين مؤونتهم، من القمح واللوز والأركان والزيتون وغيرها. وكان لكل أسرة جناح خاص بها، ويطلقون عليه، إكودار igodar، أي الحصون، وهو جمع أكادير agadir، وهكذا سُميّت مدينة أكادير بهذا الاسم. تطوان : أرض ينابيع الماء تطوان، الحمامة البيضاء التي ترسو على طلي...

رحيل الأثير الحزين عبد الصادق بنعيسى

صورة
في يوم 25 ماي 2024 رحل عنا الإذاعي عبد الصادق بنعيسى. إنه صوت إذاعة البحر الأبيض المتوسط (ميدي1) المألوف في الأسماع، منذ قرابة نصف قرن، وأشهر الأصوات التي قدمت البرامج الروائية في الإذاعة المغربية. مواليد السبعينات والثمانينات وأوائل التسعينات في المغرب، يعرفون جيدًا من يكون الإذاعي عبد الصادق بنعيسى الذي كبروا على سماع صوته. صاحب ذلك الصوت العذب والرخيم، الذي أنتج وقدم أشهر برنامج إذاعي في تاريخ الإذاعة المغربية "ملفات بوليسية"، بلغة عربية سليمة وسرد مشوق لحيثيات الجريمة ومحيطها الاجتماعي، ما يجعل المستمع يتخيل الأحداث كما لو كان جزء منها، وكان المرحوم بإذن ربه، يستّهل برنامجه قائلا: "لم تكن الجريمة بكل أشكالها وألوانها مما طرأ على المجتمعات البشرية، بل إنها ولدت معها ومن رحمها خرجت. عبر التاريخ شدت الأنظار جرائم وذاع صيت مجرمين، ووقائع ألهمت العديد من الكتاب وجعلتهم يبدعون. الروايات البوليسية تنطلق من وقائع، ومن ملفات تعاطت معها أجهزة الأمن، تتبع خيوطها وصولا إلى النهاية؛ قد تكون نهاية أمام القضاء يفصل فيها، أو هي نهاية حياة " كما للراحل برامج أخرى اشتهر بها، مثل ...