كان أنا !




وقفتُ قبالة المرآة، لألقيّ نظرة على نفسي، بعد سنين من الهجر، منذ ربيع الشباب وزهرته الفواحة لم أحدث نفسي وجهًا لوجه، إلى هذه اللحظة، أقف لأرايْ. رمقتني نظرة غائرة مُريبة، جعلتني أتراجع بخطوة إلى الوراء، فتراجعت بدورها دون أن تزيغ عني، أحاول جمع شتات ذهني لأتعرف على صاحب هذه النظرة الذي يُقلد حركاتي، أكشر فيُكشر، أرفع حاجباي فيفعل! كدتُ أسأله من يكون ولِم ملامحه تنطق بالمشقة، كأن السماء تُمطر عليه بالبلاء كل يوم. قبل أن تتمخض نباهتي متأخرة.

آهٍ، إنه أنا ! صاحب الوجه الذي لم أتعرف عليه قبل قليل، كان أنا. فتسطع الحقيقة بنورها الرباني، بعدما كان الوهم دربًا، سبيلٌ يستنزف وقت كل الأحياء، فيمر الزمن دون أن يكون له أي داعٍ، ثم لأصير غير ما أنا عليه، أن أتواطأ مع الكذبة الصادقة في مُخيّلتي، أنني بخير.

صوت أحدهم واقف إلى جانبي، يقول: منذ متى؟

- منذ زمن بعيد !

صمت، وهو يشاركني النظر إلى ذلك الشخص الذي هلّني في المرآة وهو يقلد كل حركاتي.

- إني على علم أيها السيد أن وقت الاستدراك قد مضى.

فرحل. وجاء كهل نحوي يمشي على مهل، أو تراه يدفع بخطواته الثقلية، ويبتغي بدوره النظر في مرآة الحق، حتى وصل عندي دون أن ينطق بكلمة، فصرنا نتقابل مع المرآة. تكلم أخيرًا بعدما استغرق وقتًا يُحدق في انعكاس صورنا المُلبسة: أين أنا؟ وأين أنت؟

- قبل برهة بدلتُ مجهودًا وتعرفت على نفسي في المرآة، إنما الآن وأنت تشاركني فيها، فقد اختلط عليّ الأمر.

تنهد الكهل وأطرق برأسه، فعزم أن يقص عليّ شيئًا يضمره، فقطعت كلامه، قائلاً: لا داعي أن تحكي لي، فأنا أعلم ما يستطيع الزمن أن يقترفه، حينما يقرر أذية الإنسان.

تعليقات

الأكثر قراءة في آخر أسبوع

بوتفوناست (صاحب البقرة)

حمو أو نامير .. من الأسطورة إلى السينما

حمو أونامير .. حكاية خالدة من الفلكلور الأمازيغي

بغلة القبور .. أسطورة الخيانة في حكايات الأمازيغ

عصفور المغاربة المقدس : تبيبط

ايسلي و تسليت .. أسطورة العشق الأمازيغية