بلاغ إلى الشفاه

أمس كانت هناك مريم ، الإسم الشفاف الذي صنعت منه أشرعتي ، فإذا بها تتمزق في أول عاصفة تبث على مركبي . كانت تقول : إن فخامة إسمي تكفي . حتى رحلت مريم وتمثالها من معبدي ، ثم غدوت مريضا محتضرا تجره الموت بيقين ، فترجلت من على صهوة ليل العاشقين ، ثم علمت أن دنياي لا تحب أن تراني من الأسفل ، فصارت كل نساء العالم تكتسي ثوب مريم . *** غربت شمس اليوم، وأرخى الليل صمته ولف الدنيا سوادا ، فتوهجت مصابيح الشارع ، في الأثناء رجل باسق يخطو واثقا بين البنايات في خشوع، ولا يلتفت برأسه، كأنه وحيدا في هذا العالم ، وكل ما يدور حوله إنما أشباح و ومضات من غابر الأيام ، إنه سعيد الذي اقترب من خط الأربعون ربيعا، ومازال على ذمة نفسه، لا زوجة ولا أطفال ولا خطيبة ولا حتى عشيقة، إنه يركن إلى أحوال حاله في هذا العمر الشبه بعيد من الغراميات وغزل العيون ، كأنه إرتوى وكفى ، وقرر اكمال المشوار وحيدا سعيدا بوحدانيته ، يعرف في الحي أنه دمث الأخلاق ، يكتفي بإلقاء السلام على من يصادفه في سبيله ذاهبا أو عائدا من عمله ، إلا من بين المرات يكسر القاعدة وإذا به يدندن أغنية بصوته العميق الأبح...